إنه وحيد في عالمه الصغير ، يشاهد ويلاحظ ويعلّق ويتعلم ويتملق. يفعل ما يحلو له ، بلا حسيب ولا رقيب،يخلق عالما ً وهميا ً يرسم من خلاله صوراً لنفسه يزهو طيفها ألقا ً في الأفق، لا يعاني السلبية البتة،يبعد نفسه عن كافة أصول الواقعية التي ينادي بها ، والتي يحاول جعلها محور تركيزه.يجعل من هذا العالم وعاء يغمس فيه نفسه كل صباح،ككعكة محلاة، ليبتل ،حتى إذا أغرقت السوائل فكره خرج ليحظى بقدر ٍ كاف ٍ من الهواء ليجففه مساءً ، ومن ثم لا يلبث إلا أن يعود في الصباح من جديد .فقد العديد من الرموز في حياته، الأب ، الأم ،الأخوة، المبدأ، فأصبحوا عنده كغبار علق بملابسه أزاله برياح فكره الغارق في السوائل لظنه أنهم كماليات لا جدوى لهم ، وما هم إلا غبار سيذهبون ويأتي غيرهم.إنه إنسان هذا العصر ، نعم ، إنسان هذا العصر، إنسان مجرد من المعاني الإيجابية، تحركه التكنولوجيا الحسناء كلعبة خشبية مسلوبة الإرادة، لتغرقه بوحل مستقبله، يخاف ، يتفكك ذاتيا مع مرور الزمن. لم يبقى من أسباب رفضه للوضع إلا محاولة يائسة للسباحة هربا ً من وحل الواقع الذي رسمته حسناء التكنولوجيا بداخله .في يوم أبيض ، فقدت هذه الحسناء سيطرتها لبرهة من الوقت على إنسانها العصري بظروف غامضة، تاركة ً إياه حراً لمفرداته وفطرته التي جبل عليها ، لعاداته ، لمتعلقاته الايجابية المفقودة منذ زمن ، في لحظة حرّية موسمية باعتقاده لن تتكرر إلا في مواسم كفصل الشتاء . فما كان من هذا الإنسان إلا أن يلتقي بعالمه الحقيقي، ليجد الدفيء والفكر والراحة ، وأكثر من هذا كله ؛ وجد نفسه ، فجلس مع مساجين آخرين، يتناولون طعامهم ويتسامرون ويلعبون ويشعرون سويا ً بمتعة الحياة وكم هي جميلة لولا القيد، أحسّوا جميعا ً بمتعة الحرية،وبروابط اجتماعية ، روابط من نوع غريب ، لا تقيّد بل توحد .أحسّوا عطف الأب ، وحنان الأم ، وضعوا أنفسهم حول مدفأة ومن حولهم الشموع ،هم لا يعلمون لماذا أضاءوها ؛ هل لتنير لهم المكان ؟! أم على روح التكنولوجيا وطيفها الغائب عن جلستهم؟؟!!عزفوا ألحاناً جميلة تغلغلت بين ستائر غرفتهم وشبابيكها التي غطتّها الثلوج، ولكن في داخلهم شك مريب لازمهم منذ التحرر!! ، هل ستعود الآمرة الناهية؟؟ هل نحن أحرار من قيدنا أم هذا مجرد حلم ؟ كثرت التساؤلات .. الأمر الذي جعلهم ينفضّوا إلى زوايا غرفتهم الضيقة ،ويبتعدوا عن المدفأة ، يرقبون بخوف عودة السجّانة الحسناء ، لأن الحرية عندهم باتت محض خيالٍ، وهمٌ رسموا أنفسهم بداخله مبتسمين ، هم المكان بعدها صمت خرجت على إثرها أرواحهم تصرخ
عاشت التكنولوجيا البغيضة، عاشت التكنولوجيا البغيضة .
Posted at: 05:42 PM | Add Comment